عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

38

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

القسم الأول : هي الذاتية ، كالأحد والواحد والفرد والصمد ، والعظيم والحيّ والعزيز والكبير والمتعال ، وأشباه ذلك . القسم الثاني : هي الصفاتية ، كالعلم والقدرة ، ولو كانت من الأوصاف النفسية كالمعطى والخلاق ، ولو كانت من الأفعالية ، وأصل الوصف في الصفات الإلهية اسمه الرحمن فإنه مقابل لاسمه اللّه في الحيطة والشمول ، والفرق بينهما أن الرحمن مع جمعه وعمومه مظهر للوصفية ، واللّه مظهر للإسمية . واعلم أن الرحمن علم على ذات المرتبة العلية من الوجود بشرط الشمول للكمال المستوعب الذي لا نقص فيه من غير نظر إلى الخلق ، واسمه تعالى اللّه علم على ذات واجب الوجود لكن بشرط الشمول للكمال الحقي ، والعموم لوصف الخلقي ؛ فاللّه عام والرحمن خاص ، أعني اسمه الرحمن مختصر بالكمالات الإلهية ، واسمه اللّه شامل للحق والخلق ، ومتى تخصص الرحمن بكمال من الكمالات انتقل معناه من محله إلى اسم لائق بذلك الكمال ، كاسمه الرب والملك . وأمثال ذلك ، فإن كلا من هذه الأسماء ينحصر معناه على ما يعطيه وصفه من المرتبة ، بخلاف اسمه الرحمن فإن مفهوم معناه ذو الكمال المستوعب لجميع الكمالات ، فهو صفة جامعة لجميع الصفات الإلهية . واعلم أن الصفة عند المحقق هي التي لا تدرك وليس لها غاية ، بخلاف الذات فإنه يدركها ويعلم أنها ذات اللّه تعالى ، ولكن لا يدرك ما لصفاتها من مقتضيات الكمال ، فهو على بينة من ذات اللّه ولكن على غير بينة من الصفات ؛ مثاله أن العبد إذا ترقى من المرتبة الكونية إلى المرتبة القدسية وكشف له عنه ، علم أن ذات اللّه تعالى هي عين ذاته ، فقد أدرك الذات وعلمها ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 1 » وبقي عليه أن يعلم ما لهذه الذات من الصفات كما هو لها بحق حقيقة مما اتصف الذات الإلهية بأوصافها ولا سبيل إلى درك غاية الصفة البتة ، مثاله في الصفة العلمية إذا حصلها العبد الإلهي فإنه لا يدرك منها على التفصيل إلا القدر الذي ينزل على قلبه ، فأدرك من الصفة العلمية مثلا كم في الوجود رجلا ، وبقي عليه أن يعلم أسماء هم كلّا على حدته ، فإن علم بقي عليه أوصافها ثم ذواتها ثم أنفاسهم ثم حالاتهم إلى ما لا يتناهى ، وكذلك باقي الصفات كل واحدة

--> ( 1 ) الأسرار ( 351 ) ، وكشف الخفاء 2 / 344 وقال : قال القاري نقلا عن السيوطي : ليس بثابت .